السبت 1438 /11 /27هـ -الموافق 2017 /8 /19م | الساعة 10:35(مكةالمكرمة)، 07:35(غرينتش)‎

You are here

مصر لماذا لم تعد ينبوع الضمير العربي وليست في طريقها إلى الانتعاش أو النهضة؟

Primary tabs

مصر لماذا لم تعد ينبوع الضمير العربي وليست في طريقها إلى الانتعاش أو النهضة؟

14 May 2017
-
18 شعبان 1438
07:54 PM

بوابة الخليج العربي-خاص

مصر لم تعد ينبوع الضمير العربي، ولم تعد هي صانعة الثقافة العربية، وصارت تتطلب تفكيكاً كاملاً وجذرياً للهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحالية لإعادة بناء دولة جديدة من الصفر حيث تعاني مصر من أزمةٍ اقتصادية من المُرجَّح أن تستمر لعدة عقود، وتعاني كذلك من انهيارٍ كبير في معظم قطاعات خدماتها، إن لم تكن كلها، من النقل إلى الصحة.

مصر ليست في طريقها إلى الانتعاش أو النهضة، فلا يبدو أن مصر في طريقها لتولي قيادة أي شيء في أي وقتٍ قريب.

هذه هي خلاصة تحليل الباحث بشير نافع في مقال له بموقع ميديل إيست آي يرصد فيه تاريخ مصر قبل وبعد الانقلاب وإلى أين تتجه؟

 

أين كانت مصر؟

يقول الباحث في مركز الجزيرة للدراسات، بشير نافع، إن حالة الدولة لا يُحددها تاريخها وحده، كما يحاول بعض المؤرخين إقناعنا، ولا من خلال مكانها الجغرافي فقط، وحتماً ليس من خلال إرادتها السياسية. فدور الدُول يتشكَّل عن طريق تفاعل الجغرافيا والتاريخ والسياسة والموارد معاً.

 

ويوضح نافع، في مقال له بموقع ميديل إيست آي، أن دور مصر قد ولد من خلال مزيجٍ من هذه القوى، وهو الدور الذي تطوَّر في حياة العرب خلال القرن العشرين، في أعقاب الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية.

 

فقد ظهرت قوة مصر الناعمة - إن أمكن تسميتها ذلك - في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومع ذلك، ينبغي ألا نبالغ في الأمر، فقد وقعت مصر في قبضة المستعمرين البريطانيين في عام 1882.

 

وسعى البريطانيون لخلقِ مُناخٍ مُتحرِّرٍ نسبياً من خلال العمل على خلفية مشروع التطوير الذي كان يتولاه الخديوي إسماعيل، الأمر الذي جذب عدداً من المسيحيين المتعلمين في الشرق، إلى جانب عددٍ مماثل من العلماء السلفيين الإصلاحيين.

 

وقد ضَخَّم الدورُ الذي لعبته كل هذه العناصر في الثقافة المصرية، وبشكلٍ أعم في الثقافة العربية، من أهمية القاهرة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. إلا أن الحقيقة هي أنه حتى الحرب العالمية الأولى، ظلَّت إسطنبول مركز الثقافة والسياسة في المنطقة.

 

إطار مرجعي جديد

أوضح بشير نافع، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط الذي درّس التاريخ الإسلامي في الكلية الإسلامية ومعهد بيركبك في جامعة لندن، أن إسطنبول مثَّلَت وجهةً للمئات من النشطاء المسلمين والعرب، بمن في ذلك الكثير من المصريين. وتشكَّلت القرارات والتيارات السياسية الرئيسية في إسطنبول. ومن إسطنبول، خرج أولئك الذين بدأوا الكفاح ضد الهيمنة الأجنبية.

                

وإذا كانت دمشق مهد الحركة العربية الأول، فإن أكثر التيارات عروبة نشأت من داخل أطياف الطلاب العرب والمتعلِّمين العرب الذين عاشوا في عاصمة السلطنة.

 

وأشار إلى أنه بانتهاء دور إسطنبول إثر هزيمة العثمانيين وميلاد الجمهورية التركية، التي جعلت من أولى مهامها عزل وفصل نفسها عن العالم العربي.

 

ومنذ ذلك الحين، شرع العرب في رحلة صعبة بحثاً عن إطارٍ مرجعيٍ جديدٍ لهويتهم، فضلاً عن التحرُّر من الهيمنة الأجنبية والخلاص من التقسيم المفروض عليهم من بعيد.

مصر تقود

أصبحت مصر مركز الثقافة العربية ومرجعاً للسياسات. وبدايةً من أواخر الثلاثينيات، قادت مصر صراع العالم العربي من أجل فلسطين ورفعت راية الوحدة العربية. وأصبحت مصر موطناً لجامعة الدول العربية، ودعمت نضال حركات التحرر العربية من أجل الاستقلال وشنت حرباً تلو الأخرى تأكيداً لموقف العرب الناشئين على الساحة العالمية.

باختصار، لم تصبح مصر قلب العرب النابض فحسب، بل كانت أيضاً صانع ضميرهم وروحهم الحديثة.

 

نهضة مصر

يؤكد نافع في مقاله أنه لم يكن من الغريب أن تأخذ مكانة مصر ودورها، الذي استمر أكثر من 6 عقود، حيزاً كبيراً للغاية في ذكريات العرب. ولم يكن ذلك فقط في ذاكرة العرب الجمعية، بل أيضاً في ذاكرة أكبر شريحة من المُراقبين والمُتخصِّصين غير العرب الذين لا يزالون يتصورون مصر كمعيار للوجود العربي ومؤشر للمستقبل العربي.

قائد للعالم الإسلامي

ويوضح أن غالبية السياسيين والنشطاء ومُدشِّنو الحملات العرب يتصورون أن الأزمات في العالم العربي تضخَّمت بسبب غياب مصر، ويعتقدون أن العرب لن يجدوا مخرجاً من مأزقهم حتى تنهض مصر مرة أخرى، مُعتقدين أن طريق العرب نحو مستقبل أفضل مشروط باستئناف مصر لمسؤولياتها كقائد للعالم العربي بأسره.

لا نهضة ولا مستقبل

ومع ذلك، فإن الواقع يقول للعرب اليوم إنه يجب عليهم أن يعطوا حيزاً أقل لهذه الذكرى وإن عليهم أن يحرِّروا أنفسهم من هذا الأسر، وهذا - كما يقول - ليس لأن مصر فقدت أهميتها أو مكانتها أو حجمها، بل لأن مصر ليست في طريقها إلى الانتعاش أو النهضة، فلا يبدو أن مصر في طريقها لتولي قيادة أي شيء في أي وقتٍ قريب.

 

انهيار كبير

يقول نافع إنه لابد من الاعتراف بأن مصر لم تعد ينبوع الضمير العربي، ولم تعد هي صانعة الثقافة العربية، فالتعليم المصري قد انهار منذ فترة، والفنون المصرية في حالة انحلال، في حين أن وسائل الإعلام المصرية مصدر عار.

 

وتعاني مصر من أزمةٍ اقتصادية من المُرجَّح أن تستمر لعدة عقود، وتعاني كذلك من انهيارٍ كبير في معظم قطاعات خدماتها، إن لم تكن كلها، من النقل إلى الصحة.

 

وبالرغم من أن مؤسسات الدولة ليست في حالة جيدة في أية دولة عربية، فقد بدأت الدولة المصرية في الانهيار في وقت مبكر منذ الستينيات وهي في حالة حطام كليّ اليوم.

تفكيك وإعادة بناء

ويشير نافع في مقاله إلى أن ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 كانت بمثابة شرارة الأمل بالنسبة لمصر. إلا أن انقلاب يوليو/تمُّوز 2013 سرعان ما أطفأ تلك الشرارة، مُستأنفاً التراجع. ومنذ ذلك الوقت والوضع في مصر أسوأ بكثير من أي وقتٍ مضى. فمصر تتطلب تفكيكاً كاملاً وجذرياً للهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحالية لإعادة بناء دولة جديدة من الصفر.

 

ومع ذلك، بحسب رأيه، لا يبدو أن مثل هذا الخيار موجود في حساب الطبقة الحاكمة ووسطها الثقافي، كما أنه غير موجود في حساب المعارضة وتياراتها.

 

ويضيف أنه حتى إن أصبح هذا الخيار قابلاً للتحقيق، فإن الأمر سيستغرق عقوداً قبل أن تتمكن مصر من استعادة جزء من الدور وبعضاً من التأثير الذي كانت تتمتع به في تاريخ العرب الحديث.

 

ويختم نافع حديثه موضحاً أنه يجب على العرب أن يتوقفوا عن انتظار مصر وأن يتخلَّصوا من هذا الحنين غير العقلاني لدورها الماضي، كما أنهم بحاجة إلى البدء في البحث عن مستقبلهم بغض النظر عما إذا كانوا قادرين على تقديم يد العون أم لا.

 

Print Article