الاثنين 1438 /10 /2هـ -الموافق 2017 /6 /26م | الساعة 22:09(مكةالمكرمة)، 19:09(غرينتش)‎

عبدالعزيز محمد قاسم يكتب : مندوبنا في "اليونسكو".. وصفعة للمشككين

Primary tabs

عبدالعزيز محمد قاسم يكتب : مندوبنا في "اليونسكو".. وصفعة للمشككين

10 Oct 2016
-
9 محرم 1438
03:42 PM
عبد العزيز قاسم

عبدالعزيز محمد قاسم

"إن لم تكن الإنسانية رادعًا عن مشاركةٍ في تأبين قاتلٍ محترفٍ، فلتكنِ النخوة العربية، وإلا فبقيةٌ من دين" د. سعد عطية الغامدي.

كانت الجملة الذهبية الآنفة من الصديق الأثير د. الغامدي؛ تعليقا من سلسلة طويلة من الثناءات التي كتبها المغردون، إعجابا وشكرا وتقديرا لمغادرة المندوبية السعودية لدى منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة "اليونيسكو" قبل انطلاق مراسم تأبين رئيس الكيان الصهيوني السابق شيمعون بيريز، الجمعة الماضية (7 أكتوبر 2016)، وأنشأ المغردون وسما تحت عنوان "#تأبين_بيريز_في_اليونسكو" شاركوا فيه بمئات التغريدات، عبروا من خلالها عن آرائهم وإعجابهم وحفاوتهم، مشيدين بمغادرة المندوبية السعودية لدى المنظمة قبل حضور حفل التأبين.

والحق أن كل تلك الحفاوة كانت في رمزية المغادرة ورسالتها الفاقعة للعالم، وعبّر عنها بكل وضوح الناشط الوطني خالد العلكمي حيث قال: "ممثل السعودية حضر الاجتماع/ وغادر عند بدء #تأبين_بيريز_في_اليونسكو، أما ممثل فلسطين فحضر وشارك ب...، ثم يأتي "عروبي" ساقط يشكك بمواقفنا".

الثناءات التي تهاطلت في سماء "تويتر" ومجموعات "الواتس آب" حفاوة بهذا الموقف السعودي وعدم الحضور، لم يكن لزياد الدريس؛ بل كانت بالدرجة الأولى للدولة التي يمثلها. السعودية التي بقيت محافظة على موقفها عبر عشرات السنوات، من المؤسس يرحمه الله الملك عبد العزيز. ومرورا بملوكها من الأبناء الخمسة يرحمهم الله جميعا، ليبين اليوم مليك الحزم سلمان موقفه ويضع بصمته، رغم كل الأقاويل المشككة التي تنبعث من هنا وهناك، ويؤكد أن المملكة لا ولن تخذل فلسطين والقضية الفلسطينية. لذلك كتب د. زياد الدريس رئيس الخطة الدولية لتنمية الثقافة العربية في اليونيسكو، ومندوب السعودية في تلك المنظمة، عبر حسابه الشخصي بـ"تويتر" قائلا: "غيابي عن تأبين بيريز في اليونيسكو يأتي منسجمًا ومتناغمًا مع سياسة بلادي الواضحة، وموقف القيادة الحكيمة من مثل هذه القضايا".

هل كان يستحق شمعون بيريز كل هذه الضجة، وهذه المتابعة التي سربلت كل العالم العربي أجمعه؟!

لم يكن بيريز شخصية صهيونية عادية، فالرجل الذي توفي الأربعاء (28 سبتمبر 2016)، عن 93 عاما بعد أسبوعين من إصابته بجلطة دماغية؛ هو من الشخصيات الأخيرة من جيل مؤسسي دولة إسرائيل، وبرأيي الخاص أن أحد أهم الأسباب لردة فعل الجماهير العربية والخليجية الكبيرة لهذا الحدث، كانت بسبب مراسم الدفن التي حضرها بعض وفود الدول العربية.

دموع الخسة التي ذرفها أبو مازن على بيريز، كانت كماء الأسيد اللاذع التي أحرقت أكباد أبناء الشهداء الذين قضوا على يد ذلك السفاح الصهيوني الأثيم، وتطايرت صيحات الغضب من داخل فلسطين وخارجها عليه، ويكمل وزير خارجية مصر تلك المأساة العربية في مراسم الدفن عندما التقطت صورة له وهو ينحني أمام الجثمان، وأعجب والله من سكوت القوميين المصريين والناصريين البلداء الذين أمضّونا بكاء وزعيقا وبطولات موهومة طيلة خمسين عاما حول مواقفهم مع الكيان الصهيوني، وهم يبلعون الصمت، ويشيحون النظر بلا حياء لتصرفات بعض سياسييهم اليوم، وتبقى للأمانة قلة قليلة لمّا تزل تتمسك بتلك المبادئ.

ويختتم التراجيديا العربية المبكية وزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة في تغريدته الشهيرة حيال ذلك المجرم، وقتما كتب بالإنجليزية تغريدة، نشرت على الحساب الرسمي الموثق للوزير: "ارقد بسلام (أيها) الرئيس شيمون بيريز، رجل حرب ورجل سلام لا يزال صعب المنال في الشرق الأوسط".

شيمون بيريز الذي بكى عليه أبو مازن ووصفه الشيخ خالد آل خليفة برجل السلام يا سادة هو واحد من أخطر الإرهابيين الإسرائيليين، في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. الرجل ارتكب خلال حياته جرائمَ إبادة عدة بحق الفلسطينيين وتحديدًا، خلال خدمته في حركة "الهاجاناه" الإرهابية، كما وكان له دورٌ بارزٌ في جمع السلاح ودعم العصابات اليهودية. بيريز شارك في مجازر ضد الفلسطينيين خلال الفترة الممتدة من عام 1948 إلى عام 1952، ويعتبر أيضًا من أشهر المخططين للعدوان الثلاثي على مصر عام 1956. بيريز قاد عملية "عناقيد الغضب" التي استهدفت لبنان عام 1996، والتي أدت إلى مقتل المئات جلهم من النساء والأطفال. الرجل خطط للمذابح التي ارتكبت ضد الفلسطينيين خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وهو متورط في مذبحة مخيم "جنين" و "الياسمينة" في مدينة نابلس، والمجازر المرتكبة أيضًا بحق أبناء قطاع غزة عام 2008.

للأسف أن كثيرا من القادة العرب يتناسون كل هذا التاريخ المجرم الأسود أمام مرحلة عمرية قصيرة من حياته، قام الإعلام الصهيوني والغربي على تسويقه داعية السلام الإسرائيلي، كما روّجت من قبله لإسحاق رابين. هذه المرحلة هي الفترة التي شغل خلالها منصب وزير الخارجية عام 1987، حيث مهد لإجراء مباحثات مع الأردن ومع الفلسطينيين، مما أسفر عن توقيع أوسلو 1993، وفي أعقابها حصل على جائزة نوبل.

بعد هذا السبر التاريخي القصير، أتساءل هل يستحق هذا الرجل التكريم في اليونسكو؟ وأتساءل مع المفكر السعودي الكبير د. عبد الله الغذامي عندما كتب: "لم يعملوها للملك عبد الله صاحب مشروع السلام والحوار العالمي، ولا لمانديلا، ولا للأم تيريزا، ويؤبنون سفاح الأطفال". حقا إنه عالم عجيب، تتبدى فيه الازدواجية المقيتة حيال كل ما هو متعلق بالصهاينة والعرب.

عودا لمندوبنا الدائم في اليونسكو د. زياد الدريس، والذي ترجم فعلا رؤية بلادنا وولاة أمرنا حيال الموقف مع الصهاينة، بألا تفاوض إلا بعد إرجاع الحقوق للفلسطينيين، والحقيقة أن د. الدريس أعطى للحضور السعودي في اليونسكو ألقًا وقوة مذ وصوله في العام 2006، وحصل على لقب "سفير السلام" من الاتحاد من أجل السلام الـعـالمي (UPF)، تثمينًا لإسهاماته فـي ترسيخ ثقافـة الـسـلام والـتسـامح والتعددية. زياد الدريس لم يكن هذا الموقف الأول له في قضية فلسطين، بل استطاع عبر جهود مضنية أن ينتزع لدولة فلسطين العضوية الكاملة لها في اليونسكو، واستطاع في نصر آخر يسجل له- عبر توحيد الصف العربي هناك- بالفوز تصويتا بقرارات خمسة هناك، تخص باب المغاربة والحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح، والقرار الخاص بالإجراءات الإسرائيلية في مدينة القدس وإدانة حصار غزة، والقرار الخاص بالمؤسسات التعليمية في الأراضي المحتلة. استطاع العرب فيها الانتصار للفلسطينيين بجهود مندوبنا الذي نطمع أن يواصل ترجمة سياسة المملكة التي أخرست بالموقف الأخير كل الأصوات التي شككت بنا.

شكرا زياد الدريس في انسحابك، وقد كنت وطنا كاملا، بقيادته ومؤسساته ومجتمعه في ذلك الموقف.
 

Print Article